الأحد، 29 سبتمبر 2019

حق التظاهر

إن حق التظاهر يعد من أهم الحقوق التي تسعى الدول المتقدمة الى الحفاظ عليها، كونها تمثل معيارا لتقدم النظام السياسي وتطور المجتمع واستقرار الدولة، ومن دونها يغدو بناء الدولة التي تحمي الحقوق والحريات مستحيلا، اذ لا يمكن بناء الدولة التي يطمح لها الفقراء وعموم الشعب، من دون اعتماد قيم التقدم المذكورة، لأن غيابها أو ضعفها يشكل هدرا أكيدا لجميع الفرص التي تهدف الى بناء دولة المؤسسات الدستورية التي تحمي المواطنين تحت خيمة قوانين عادلة وقوية، وهو ما يميز الدول المعاصرة التي يسودها القانون.
إن الخروج في مظاهرة تعني الاحتجاج على النظام السياسي، بسبب اخفاقات في جوانب تتعلق بما ينبغي أن تقدمه الحكومة لشعبها، ويجري اثناء التظاهر اعلان التقصير والعجز الذي تعاني منه الحكومات ازاء ما يحتاجه الشعب لتحقيق حياة كريمة تليق بالبشر، بهذا المعنى فإن حالة التظاهر تنتمي الى الحالات المشروعة والخلاقة، كونها تهدف الى التصحيح، والى تنبيه الدولة والحكومة والجهات المعنية الى مواطن الخلل هنا او هناك، كما انها قيمة جوهرية لمحاربة الفساد بشتى اشكاله واصنافه، في مفاصل الحكومة والدولة والجهاز الحكومي الاداري عموما، فهي عملية تصحيح سلمي أولا وأخيرا، واذا خرجت عن هذا الاطار فسوف تدخل في اطار الأعمال العدائية التي تهدف الى ضرب المجتمع وهيبة الدولة.
علما أن ثمة ضوابط متفق عليها تكفل هذه المظاهرات كما نلاحظ ذلك في جميع التشريعات الدولية وحتى المحلية، اذ ليس هناك دولة او حكومة تمنع حق التظاهر علنا، حتى الحكومات المتسلطة القسرية تخشى من اعلان منع التظاهرات علنا، لكنها تلجأ الى الكثير من الخطط والاساليب الخفية والعلنية لكي تشل التظاهرات وتمنعها من تحقيق النتائج المبتغاة، لأن التظاهرات وسيلة عصرية وجوهرية لتصحيح الاخطاء الحكومية والادارية، لاسيما الاخطاء والجرائم التي تتعلق بالفساد وغسيل الاموال والاختلاس والتجاوز على المال العام، ومحاولات الاستئثار بالسلطة والتمتع بالامتيازات المالية والمادية على حساب الشعب.
وعي الشعب لأهداف التظاهر
في عصرنا الراهن، ليس هناك وسيلة للتعبير عن الرأي المعارض والاحتجاج، أقوى وأوضح وأسرع من التظاهر، لهذا صدرت مجموعة من القوانين الدولية والمحلية التي تصون هذا الحق، وتمنع المساس به من لدن الانظمة، خاصة المستبدة، ولكن ينغي أن يتذكر الجميع، مثلما يُمنع النظام السياسي من القمع ويُحاسَب عليه، فإن جمهور المتظاهرين عليهم الالتزام بطريقة جيدة للتظاهر، وأهم نقطة في هذا الجانب سلمية المظاهرات، وحماية النظام السائد، وعدم التجاوز على الملكيات الخاصة (للأفراد) والعامة (المنشآت الحكومية)، وأي سلوك يخرج بعيدا عن هذا الاطار السلمي للمظاهرات سوف يجعل منها فعل عنيف يقع خارج القانون، يستحق المحاسبة والمعاقبة عليه.
هذه هي الضوابط التي تحيط بحق التظاهر كي تجعله سلميا واعيا وفاعلا في الوقت نفسه، لهذا وعت الشعوب والمجتمعات أهمية التظاهر، كونها اسلوب متحضر يتسم بالسلمية لتحقيق مطالب مشروعة، ولكن أحيانا قد تُستثمر هذه التظاهرات بطريقة خاطئة، فيتم توظيفها في غير محلها واهدافها، لاسيما اذا كانت خاضعة لاجندات خارجية او داخلية لا تهدف الى التصحيح السليم، بل تخضع لتصفية الحسابات السياسية بين الخصوم، الامر الذي ينعكس بالضرر الفادح على الشعب، لذا من المهم جدا أن يتنبّه المتظاهرون جميعا، خاصة بسطاء الوعي والثقافة منهم، يتنبهون الى المحاولات التي قد تجر المتظاهرين والتظاهر الى طرق واهداف ملتوية لا يريدها المتظاهرون ولا يبحثون عنها اصلا، بل هي اهداف قد تكون مدسوسة من لدن جهات ودول اقليمية او دولية تسعى الى تخريب وحدة الشعب من خلال جعل التظاهرات ساحة للتطرف والضغينة بين ابناء الشعب الواحد، لذلك اذا كان المتظاهرون اصحاب حق، عليهم أن يتنبهوا الى الدسائس، وأن تبقى الوحدة الوطنية هي الفنار العالي الذي ينظر اليه الجميع ويهتدي من خلاله الى الشاطئ الصحيح، ممثلا بالحفاظ على وحدة الشعب ووحدة البلاد ايضا، وعدم اتاحة الفرصة للمتصيدين بالماء العكر، كي يزيدوا من شحنات التنافر بين ابناء ومكونات الشعب الواحد، ولكي تعطي المظاهرات نتائج طيبة تخدم المجتمع والدولة، ليس هناك مناص من الالتزام بالطابع السلمي للمظاهرات.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق